ابن الجوزي
257
صفة الصفوة
الداخلة . قال : كأنّك فتتّ عضوا من أعضائي . فلما كانت الجمعة الداخلة أتيته مودّعا فقال لي : خذ في شيء أذكرك به ، فتكلّمت ، فبكا وكثر بكاؤه . ثم قال لي : يا منصور انظر ما في ثني الوسادة ، إذا ثلاثمائة دينار قد أعدّها للحج . ثم قال : يا جارية هاتي ثياب إحرام منصور ، فجاءت بإزار فيه أربعون ثوبا . قلت : رحمك اللّه أكتفي بثوبين . فقال لي : أنت رجل كريم ويصحبك قوم فأعطهم . وقال للجارية التي تحمل الثياب معه : وهذه الجارية لك . سليم بن منصور قال : سمعت أبي يقول : دخلت على الليث بن سعد يوما فإذا على رأسه خادم ، فغمزه فخرج ، ثم ضرب الليث بيده إلى مصلّاه فاستخرج من تحته كيسا فيه ألف دينار ، ثم رمى بها إليّ . ثم قال : يا أبا السّريّ لا تعلم ابني فتهون عليه . الحسن بن عبد العزيز قال : قال لي الحارث بن مسكين اشترى قوم من الليث بن سعد ثمرة استغلوها فاستقالوه فأقالهم . ثم دعا بخريطة فيها أكياس فأمر لهم بخمسين دينارا ، فقال له الحارث ابنه في ذلك ، فقال : اللهم غفرا إنهم كانوا قد أمّلوا فيها أملا فأحببت أن أعوّضهم عن أملهم بهذا . سعيد الآدم قال مررت بالليث بن سعد فتنحنح لي فرجعت إليه ، فقال لي يا سعيد خذ هذا الفنداق « 1 » ، فاكتب لي فيه من يلزم المسجد ممن لا بضاعة له ولا غلّة . قال : فقلت : جزاك اللّه خيرا يا أبا الحارث . وأخذت منه الفنداق ثم صرت إلى المنزل ، فلما صلّيت أوقدت السّراج وكتبت بسم اللّه الرحمن الرحيم ، ثم قلت : فلان بن فلان . ثم قلت : فلان . فبينا أنا على ذلك إذ أتاني آت فقال : ها اللّه يا سعيد تأتي إلى قوم عاملوا اللّه عزّ وجل سرّا فتكشفهم لآدمي ؟ مات الليث ومات شعيب بن الليث ، أليس مرجعهم إلى اللّه الذي عاملوه ؟ قال فقمت ولم أكتب شيئا ، فلما أصبحت أتيت الليث بن سعد فلما رآني تهلّل وجهه فناولته الفنداق فنشره فأصاب فيه بسم اللّه الرحمن الرحيم . ثم ذهب ينشره . فقلت له : ما فيه غير
--> ( 1 ) الفنداق : بضم الفاء وسكون النون - صحيفة الحساب .